لا اعتقد انه سيكون هنالك استبدال للمعماري على الاقل في الوقت القريب فنحن على شفا اكتشافات جديدة كل يوم. لكن ما أؤمن به هو المعماري الرقمي الذي يقود هذه التقنية
عندما اقرر ان اذهب الى مكان لم ازره من قبل اتحقق عن طريق google maps من الموقع وطرق الوصول اليه وحركة السير واوقات الذروة وما الى ذلك من معطيات تجعل من طريقة ذهابي اليه أكثر كفاءة واقل وقت، وهو بالطبع ما يفعله اغلب الاشخاص في ظل التقدم الحالي، كل هذه المزايا لم تكن ممكنة قبل عقد من الزمان.
لقد أصبح حالنا اليوم في مجاراة وسباق مع التطور التقني فاغلب الشركات تسارع لرقمنه وجودها اذ انه ولى عصر المعاملات الورقية (مثل بنك الرياض وفتح حساب من دون الحاجة الى الزيارة وجعل كافة الخدمات الكترونية) وهو شيء يعد نقطة تحول رقمية اذ ان اغلب الشركات اصبحت تعمد على المعالجات السحابية وكذلك الذكاء الاصطناعي (AI) كي يحل العديد من العمليات المعقدة والمتكررة والتي تتطلب قدرا عاليا من الدقة.
كل هذا التقدم والتطور مبني على معالجات شبه الموصلات (transistors) والتي وصلت في عصرنا الحالي الى اعلى مستويات السرعة، وصلنا الى الحدود الفيزيائية الى هذه المعالجات المتناهية الحجم وأصبح الان هنالك عملية سباق على تطوير تقنية جديدة وهي الكمبيوترات الكمية (او الذرية) والتي بحد ذاتها ذات امكانية عالية وكفاءة كمثال كمبيوتر قوقل الكمي لدية كم من القوة يعالج بها خلال ثلاث دقائق وعشرون ثانية كمية بيانات تحتاج من وقت بالتقنية الحالية الى ما يعادل 10000 سنة بالكمبيوترات الخارقة (super computers) حسب مقال في صحيفة NY times(بواسطةCade Metz بتاريخ 23/10/2019).
ان الناظر في هذا الامر لابد ان يستذكر افلام الخيال العلمي مثل (1999 The Matrix) و (Ghost in the Shell 2017) و (I, Robot 2004 ) التي عكست صورة مستقبل متطور اصبحت الآلات على نظير من البشر في مهامهم اليومية بل وان بعضها أصبح يصور محاربة الانسان لها مع تطورها التام ووعيها وادراكها بوجوديتها ومعايشتها مع الانسان ومشاركتها معه قيمه الذاتية وحقوقه المدنية وتصوير هروب البشر من حكمها المحتوم.
ان ما سبق ذكره هو ما يتم عملة بالمنشئات والمعاهد العالية التقنية التي يوجد لديها ما يعرف بالكمبيوترات الخارقة (super computers) وان ما تم المرور عليه هو من اجل عكس ما الموجود حاليا وما سنصبح عليه بالعقود القادمة وكمية التطور الهائل الذي نصل اليه يوما بعد يوم.نحن نعيش الان في عصر الرقمنة اذ ان كل شيء الان أصبح يقاد بالبرمجيات وأصبح الان لدينا ما يسمى بإنترنت الاشياء (IOT) وكيفية هيمنته على مقتنيات الانسان يوما بعد يوم اذ انه أصبح لدينا الان سيارات ذاتية القيادة ومباني ذكية ذاتية التحكم بالإضاءة والتكييف وغيرها من متغيرات.
ان ما وصلنا اليه في هذا العصر من التطور في طرق تصميم واخراج وعرض المشاريع المعمارية كان لابد له من أثر كبير جدا على طلاب العمارة وعلى ممارسي المهنة فما كان يعد قبل 10 سنوات من اخراج بالمتطور جدا أصبح الان يعد الشي القياسي المفترض وجودة مسبقا (على سبيل المثال لا حصر عرض المشروع عن طريق فيديو بتقنية الواقع الافتراضي)
مع هذا التطور التقني الهائل في صعيد القوة والقدرة البرمجية للأجهزة الحاسوبية وصلنا الى مرحلة حيث بالإمكان عمل محاكاة واقعية الى تكلفة بناء وتشغيل وتحسين المبنى بل حتى الى وضع خطط لتفكيك المبنى واعادة استخدام اجزاءه في مشاريع اخرى كل ذلك من خلال ما يعرف بأنظمة نمذجة معلومات البناء (BIM Software) التي مكنت من استكشاف قوى هائلة وسخرت امكانات جديدة للبناء.
يعتبر الذكاء الصناعي من أحد أبرز المجالات الحديثة التي يتم العمل بها وتطويرها من اجل دمجها في حياتنا اليومية اذ انه من الممكن نجعل لمدننا الحاضرة حواس وعقل واعي بما حوله من متغيرات واحداث من اجل استجابة أفضل للمتغيرات المحيطة وتحسين جودة الحياة والاستخدام الامثل للموارد والطاقات وهو ما يمكن ان يكون متاح من خلال ربط جميع الاجهزة المتصلة بالإنترنت (خصوصا اجهزة انترنت الاشياء (IOT)) واستخدام المستشعرات الموجودة بها من اجل تكوين كمية هائلة من المعطيات كي يتم تحليلها وعليها يتم اتخاذ القرارات اللازمة.
لتأكيد ان اخر ما توصل له لن ينحصر فقط في هذا المقال نظرا للتوسع الهائل في التقنية والاكتشافات الجديدة التي يتم تطبيقها خصوصا ان اغلبها لم يكن بالأساس موجه الى مجال العمارة كما حصل عندما تم استخدام اولى برمجيات الحاسوب عن طريق فرانك جيري والتي لم تكن مخصصة للعمارة بداية تطبيقه لتصاميمه التفكيكية حيث عمل على برنامج تصميم للطائرات (CATIA version 3 in 1988) من اجل تنفيذ قاعة حفلات والت ديزني في لوس أنجلوس والتي اصبحت بحد ذاتها ايقونة معمارية ومعلما مميز كذلك ايضا نرى توظيف روبوتات خط الانتاج بالمصانع واستغلال حركتها الدقيقة والمحسوبة من اجل انتاج مساكن مطبوعة من دون الحاجة الى ايدي عاملة وهو ما يخفض تكاليف البناء بشكل كبير ويجعلها أحد الحلول المطروحة لحل ازمة الاسكان التي توجهها اغلب دول العالم. ايضا هنالك أحد الطرق التي يعمل بها بالتصاميم الصناعية وينظر لها انها من الممكن ان تشق طريقها الى مجال العمارة هو التصميم التوليدي (Generative Design) وهو عبارة عن عملية تولد حلولا متعددة، نظرا لقيود ومتطلبات التصنيع المحددة. وايضا قادرة على تطبيق القيود والأحمال لمحاكاة ظروف العالم الحقيقي. والتي من الممكن ان يتم صياغتها من خلال وضع الاشتراطات والقيود المحلية للبناء في منطقة معينة وكذلك المناخ والظروف البيئية كذلك عناصر تحليل الموقع المحددة واخيرا برنامج المشروع ورغبة العميل ومن ثم يتم انتاج وتقييم الاف النسخ وتقديم عدة مقترحات تتناسب مع الشروط المطروحة.
ان ما سبق سرده يبدو انه لا يجعل هنالك أي بصيص امل في ضمان استمرارية المعماري، ولا استمرار البشر في اسوء الاحوال! اذ ان الناظر في هذا الامر يرى ان التقنية جعلت من المستحيل الوصول الى كل من الهدر وعدم الاستخدام الامثل للموارد والمواد الخام وتجعل من توظيفها ذا كفاءة عالية. لكن هل سيستبدل المعماري بآلة؟ان اجابة هذا السؤال ليست معروفة بشكل دقيق لكن يمكن لنا ان نستعرض بعض من المؤشرات والحقائق والمفاهيم من اجل الوصول الى استنتاج ذو اساسات واضحة. اجرت صحيفة التلغراف دراسة عن 700 وظيفة واحتمالية اتمتتها والتشغيل الالي لها وجاءت العمارة بنسبة 1.7 بالمئة اذ يرجح الامر الى ذلك ان العمارة ليست ذات طابع تكراري رتيب اذ قل ما تتكرر نفس الوظيفة ونفس العمل في يوم واحد اذ لابد من تغير العميل المكان الزمان الاشتراطات بل حتى على مستوى المعماري نفسه من خلال معرفة وخبرته وتجاربه والنقد الحاصل منه او من منهم حوله طيلة ممارسة للمهنة وهنا تبرز اهم ميزة لدى البشر وهي التطور واكتساب مهارات جديدة.
ان التقدم الحالي والتوسع الهائل في المجال المعرفي جعل العالم قرية واحدة. ربما ان هذه الجملة قد تم استخدامها لدى الكثيرين لكن يبدو لي انها في هذا الوضع قد كشفت عن شر يؤذن بانتهاء تاريخ وحضارات وهوية الشعوب ووضعه في الارشيف وبناء مباني اشبه ما تسمى بمباني الاشباح اذ ما تم وضع هذا الامر بيد الآلات، لأنها بطبيعة الحال لا تنظر الى الواقع بعين بشرية بل كل ما يمثل امامها عبارة عن معطيات رقمية وهو ما يبادر الى ذهني مبنى فندق الكبسولات في اليابان حيث انه بوجهة نظر الالة الانسان ليس الا مجرد شيء يستقبل ويعالج ويرسل البيانات كمقارنة بها اذ ان وجه الشبه بالأمر كانه تم وضع احتياجات الانسان في كبسولة وتم عمل توزيع افقي وتكديس راسي من اجل الاستخدام الامثل للموارد استشهادي هنا لفندق الكبسولات ليس نقدا جارحا لكيان المبنى بحد ذاته بل انه يعتبر من احد المباني التي خرجت عن نطاق المألوف بل ان المقصود هو كيفية تهكم الآلات على احتياجات الانسان وفرض معطيات ومعادلات تناسب جميع البشر وهو بحد ذاته خطا فادح وينذر بظهور عصر ممسوخ الهوية متشابه الملامح وظيفة البشر فقط ان يعيشوا على هذا الكوكب هذا اذ لم تقرر الآلات بنفسها عدم صلاحيتهم ومحو وجودهم.
إذا بالنهاية لا اعتقد انه سيكون هنالك استبدال للمعماري على الاقل في الوقت القريب فنحن على شفا اكتشافات جديدة كل يوم. لكن ما أؤمن به هو المعماري الرقمي الذي يقود هذه التقنية من اجل ان يسخرها للوصول الى طرق جديدة واساليب حياة مختلفة لم نكن نعهدها في الوقت الماضي القريب كي يعيد احياء اسمه بطريقة عصرية فالمعمار هو سيد البنائيين.