الأبعاد الغير مادية للعمارة

مختصر عن المقال:

من سيفوز بالشعور تجاه الأمكنة والقصص التي تحتويها، هو نفسه الخاسر عندما تؤثر عليه بيئة مبنية تأخذ منه ولا تعطيه " الإنسان "
المنظومة المثالية لم تكن كذلك بدون المخرجات التي عبّر بها المستخدم بعفوية

الدكتور فهد العتيبي

الــدارج مؤخــرا فــي العديــد المشــاريع التــي تعــرض مــن قبــل المرئييــن، نجــد أنهم يرتكــزون علــى الجانــب الجمالــي نــادرًا ما تُثار فكـرة موضـوع الفراغـات وبُعدهـا، دور المعمـاري فـي كينونـة الفــراغ ونظــرة المســتخدم للفــراغ هــذه التعابيــر هــي ظاهــرة عالمية،

الجانــب الغيــر مــادي دائمــا رحلــة طويلــة لذلــك تجــد القلــة مــن المعماريــن المرتكزيــن علــى القيمــة مــن الممكــن تجدهــم فــي مشــاريع فكريــة مشــتركة، حتــى احيانــا يألفــوا كتــب ســويًا ويشــتركوا فــي مؤتمــرات بشــكل دائــم ولديهــم مشــروع فكــري مرتكــز أكبــر علــى مفهــوم العمــارة مــن الكينونــة إلــى التجربــة الحسية أكثر.

يجــب ان نفكــر بشــكل متكامــل مــن الناحيــة الفيزيائية الماديــة البحتة ومن الناحية الحسية، وبالنظر لثلاثية فيتروفيوس

"المتانة والبهجــة والجمــال"

كثيــر مــن المنظريــن بنــو عليهــا ولازالــت هــي الثلاثية المسيطرة.

ما الــذي يجعلنــي اشــعر فــي بعــض الفراغــات بالارتيــاح بالشــعور بالسـعادة بالتحفيـز علـى الجوانـب الايجابيـة، وفـي العكـس تمامـا فراغــات أخــرى تعطينــي شــعور مختلــف بالضغــط والاكتئــاب وغيرها؟
التأثيــر للبيئــة المبنيــة ليس مجــرد نظريــات ولكــن حقائــق يرتكــز عليهــا التصميــم، دراســة الأثــر البيئــة المبنيــة علــى الإنســان قديمــة، دراســة فــي عــام ١٩٩١ عــن موضــوع اللــون بتأثيــره علــى المســتخدم فــي بعــض الفراغــات، جــورج ســيمل درس موضــوع الحيـاة فـي البيئـة العمرانيـة وأثرهـا بشـكل مباشـر علـى ذهنيـة

النــاس وموضــوع الإحســاس بالضيــق مقارنــة بالبيئــات الريفيــة لغيــاب الفصــل ما بيــن البيئــة الطبيعيــة والبيئــة الماديــة ولكــن علــى مســتوى البيئــة العمرانيــة تجــد أن الفصــل واضــح بشــكل كبير.

ظهــر مفهــوم علــم النفــس البيئــي، هنــاك نــوع مــن تداخــل التخصصـات مـا يميـز التخصـص أو الفـرع الجديـد مـن المعرفـة، مـن الممكـن أن عالـم الاجتمـاع يضيـف نقـاط، عالـم النفـس يضيـف، بـل وامتـد إلـى أن علمـاء الأعصـاب قـد يتداخلـون بشـكل مباشـر فـي تبيان الأثر المباشر للبيئة العمرانية للإنسان.

فيوجـد بحـوث متطـورة فـي هـذا الجانـب، المسـألة ليسـت بحـوث نظريـة ولكـن تطبيقيـة أيضـا كمـا ذُكـر، فالأثـر واضـح وكبيـر بحكـم أن بيئتنا العمرانية تؤثر في حياتنا.

كثيـر مـن العلمـاء درسـوا التأثيـر بشـكل مباشـر مـن ضمنهـم عالـم اجتمــاع اســمه زيســيل، رأى أنــه هنــاك خمــس عناصــر أساســية لتقليـل أثـر البيئـة المبنيـة السـلبي علـى الانسـان وهـي موضـوع الأمــن والأمــان فــي البيئــة العمرانيــة، والوضــوح داخــل البيئــات الفراغيــة، والخصوصيــة مهمــة جــدا، والاندمــاج داخــل المجــاورة، وأخيرًا الهوية هي مهمة جدا.

فعلــم النفــس البيئــي طــرح كثيــر مــن المفاهيــم خــلال الســتين سنة الماضية أو أكثر وتوجت في عام ١٩٦٨ في منظمة EDRA التي تــدرس بشــكل مباشــر تأثيــر البيئــة العمرانيــة علــى الإنســان، كل المفاهيم تؤثر في مزاج الانسان وفي شعوره بالفراغ.

هنـاك أبحـاث تـرى تأثيـر البيئـة العمرانيـة داخـل البيئـة السـكنية أو التعليميــة أو المستشــفيات، تأثيــر مباشــر أثبــت بطــرق كثيــرة بحيـث أن فـي بعـض المستشـفيات مثـلا، وجـد أن عمليـة التعافـي تتــم بشــكل ســريع مقارنــة بالغــرف المصممــة بشــكل ســيئ ولا يوجد فيها إطلالة لمناظر بها مسطحات خضراء أو إضاءة طبيعية.

ودراســات أخــرى أثبتــت أن تأثيــر ارتفــاع الأســقف بشــكل مباشــر فـي تحفيـز عمليـة الإبـداع وعمليـة الابتـكار فـي البيئـة التعليميـة مثــلا، ودراســات أخــرى أثبتــت أن الطــلاب الذيــن يتلقــون الــدرس فــي فصــل معيــن، عندمــا يختبــروا فــي هــذا الفصــل تكــون درجاتهم أعلى. فهـي معلومـات أثبتـت عـن طريـق أبحـاث علـى مـدى طويـل مـن الزمــن، كثيــر مــن المعماريــن يجــب أن ينظــروا لتجــارب الســابقين خصوصــا فــي أعمالهــم الخاصــة، مســألة أن كثيــر يــرون أن التصميــم يبــدأ مــن نهايــة المبنــى وليــس مــن البدايــة، هــي مسـألة خاطئـة، بمـا أن دور المسـتخدم لابـد أن يكـون حاضـر فـي الجانب وهنا نفرق ما بين مبنى وعَمارة.

يجـب أن نخلـق نـوع مـن المسـاحة للمسـتخدم ليبتكـر، هـذا الـدور المهــم إذا أدرك المصمــم أنــه مرتكــز علــى دراســات حقيقيــة، ستكون النتيجة جيدة.

يجـب ألا نتصـور أن التصميـم عمليـة منتهيـة، نظريـة المعمـاري هيرمـان ترتكـز علـى إعطـاء مسـاحة للمسـتخدم للتغييـر كنـوع مـن المشاركة


عناصر البيئة المبنية
الإضــاءة مهمــة ومحفــزة لشــعور الإنســان الإيجابــي داخــل الفراغــات، وتأثيــر الظــل علــى الجــوار، الألــوان واختيــار المــواد، وحقيقة تفسيراتها السيكولوجية على الإنسان والارتباط بالطبيعة.

مـن المهـم وجـود بيئـات مختلفـة تمنـح كل شـخص يقـوم بـدوره، الأكاديمــي والباحــث فــي تقصــي المشــكلات فــي البيئــة المعماريــة ومــن ثــم وضــع الحلــول ليأخذهــا المعمــاري، ثقافــة المجتمع معماريا لابد أن تتغير وتتحسن.

النظــرة الفوقيــة للمعمــاري وأنــه الأول والأخيــر فــي المعادلــة يجــب أن تنتهــي، المســتخدم لابــد مــن وجــوده فــي المســألة ووجـوده مهـم ودوره كبيـر فـي عمليـة التصميـم، العمـارة هـي نسـج قصـة مـن واقـع شـخص معيـن، والقـدرة هنـا تمنـح العالـم نتيجة مذهلة.

توفيــر مســاحات طبيعية علــى مســافات قصيــرة مــن المجــاورات مهـم جـدا، توفيـر حدائـق داخـل الفراغـات العمرانيـة أثبـت جدواهـا على مستوى الصحة العامة للناس.

مهـم جـدا خلـق نـوع مـن الفراغـات الخاصـة وخلـق نـوع مـن الحيـاز داخــل هــذا الفــراغ، العمــارة ليــس مجــرد فــراغ مفتــوح، مثــلا المكاتــب والفراغــات المفتوحــة تحفــز علــى المشــاركة وبنــاء الفريــق الواحــد، ولكــن يخلــق نــوع مــن عــدم الخصوصيــة، تحتــاج لتنوع في الفراغات حتى داخل المسكن الخاص.

المفاهيــم متداخلــة، لا يوجــد تكويــن جاهــز وهــذا حــال العمــارة، ليـس هنـاك حـل مثالـي، فهنـاك معماريـون مرتكـزون علـى جوانـب حسـية أو جماليـة، لـن تسـتطيع تقديـم حـل متكامـل، فمثـلا ميـس فــان ديــر روه ومبنــى فارنســورث والــذي يعتبــر أيقونــة عمــارة الحداثــة، أثبتــت الدراســات أنــه غيــر قابــل للســكن فــي فصــل الصيــف، لــذا يجــب أن نضــع فــي عيــن الاعتبــار جوانــب الراحــة الحرارية، ولا نكتفي بالجوانب السلوكية.

مشـكلة السـكن الغيـر جيـد، لهـا أبعـاد فـي التعليـم، فـي المهنـة والممارســة ولهــا أبعــاد فــي ثقافــة المجتمــع، اســترخاص صنــع العمـارة سـبب أيضـا، كثيـر مـن النـاس يـرون أن الأتعـاب المعماريـة مبالــغ فيهــا، تحتــاج جهــد مــن المعمارييــن فــي إعــادة وتحفيــز وخلق وعي بالأهمية التي يحتاجها فن العمارة.

تحســين المشــهد العمرانــي، مرتبــط بتوفيــر أماكــن مشــي وبتوفيــر حدائــق، وتوفيــر خدمــات علــى أبعــاد يمكــن المشــي والوصــول لهــا، لتحفيزهــم وعكســها علــى صحتهــم، الصــورة البصرية للمدينة مسؤولية الجهات الكبرى.

دورنــا كمعمارييــن هــو وضــع نقــاط وحاضــن محفــز علــى الجانــب الإيجابـي فـي البيئـة العمرانيـة، لا نضـع قواعـد صارمـة، لا يمكـن الايمـان بحتميـة تأثيـر العمـارة بشـكل مباشـر، نحـن نضـع نـوع مـن الإيمــاءات التــي تحفــز النــاس علــى اســتخدام الفــراغ بشــكل إيجابي أكثر.

دور المجتمــع فــي تشــكيل المدينــة مهــم، فمثــلا المشــاريع العملاقــة يجتمعــون النــاس للمشــاركة فــي صنــع القــرار ويكــون لهــم نســبة مــن التحكيــم المقتــرح مــن أمانــة المدينــة، النتيجــة تكمـن فـي انتمـاءه فـي تحسـين المشـهد العمرانـي، فمثـلا فـي أمريــكا كثيــر مــا نجــد مراكــز العمــارة فــي مدنهــا، يســمح بالتصويــت علــى أجمــل المبانــي فــي المدينــة، ومرتبــط بوضــع معــارض معماريــة، وجودهــا يحقــق زيــادة الوعــي والمشــاركة المجتمعية المباشرة في تكوين صورة المدينة.

المباني الرأسية:
المــدن الخليجيــة فتــرة مــن الفتــرات أصبحــت تتوســع فــي ملــف المبانــي الرأســية، هــل المبانــي العاليــة ملائمــة لبعــد الإنســان؟ أثبتـت الدراسـات عـدم نجـاح البيئـات المعماريـة داخـل هـذه الفراغـات البعيدة عن الأرض.
إدوارد يقــول:
"المبانــي العاليــة شــكلها أجمــل ولكــن أثرهــا علــى الإنسـان أكبـر بكثيـر مـن العشـوائية" لهـا تأثيـر هـدام علـى سـلوك الإنسـان، المبانـي العاليـة هـي أيقونـات تغيـر مـن صـورة المدينـة، وأغلـب مدننـا أفقيـة غيـر مهيئـة وبنيتنـا التحتيـة غيـر ملائمـة لوجـود المبانــي العاليــة لذلــك تجــد نــوع مــن الفصــل علــى المســتوى الأفقي فدائما لا نجد دمج مناسب ما بين الفراغ الأفقي والرأسي.

الاستدامة المجتمعية:
ارتبــاط الإنســان بــالأرض ارتبــاط مباشــر، وتأثيــره كبيــر فــي شــعور الإنسـان وراحتـه، لابـد مـن حلهـا بوضـع نـوع مـن العناصـر موجـودة فــي مســتوى الأرض، ووضعهــا فــي الارتفاعــات العاليــة، مثــل الحدائـق المعلقـة وحدائـق الأسـطح والفراغـات وخلـق التواصـل فـي الفراغـات، يجـب أن نضـع كثيـر مـن المفاهيـم الإنسـانية قبـل البدايـة في تصميم أي مخرج معماري.

عــدم الإحســاس بالمــكان، لدينــا تصــور أو ظاهــرة أن كل العمــارة أصبحــت متشابهة خصوصــا ناطحــات الســحاب، ما الــذي يصنــع الفــارق؟ عــدم وجــود وســائل النقــل العامــة قريبــة منهــا ســيؤثر علــى النــاس بشــكل مباشــر وغيــر مباشــر، وأيضــا التأثيــر البيئــي فعنـد تصميـم ناطحـة سـحاب بجانـب مبانـي ذات ثـلاث أو أربـع أدوار، حجــب الإضــاءة الطبيعيــة عــن الجــوار وانعــكاس الشــمس علــى الزجاج قد يكون مزعج للجوار والرياح كذلك.

مـن الأهميـة وجـود تنظيـم خـاص فـي ناطحـات السـحاب، لـه تأثيـر على المشهد العام ومشهد المدينة.

التأثير في العمارة عبر مفهوم الدكتور فهد العتيبي:
هنــاك تجــارب مهمــة علــى مســتوى الفكــر المعمــاري، كثيــر مــن المعمارييــن طبقــوا أفكارهــم فــي المــدارس أكثــر مــن المبانــي، مؤمن بثلاثية "التعليم، الممارسة، النقد"، ارتباطنا بتعليم خلاق يصنع جيل مــن المعمارييــن لديهــم طاقــة كبيــرة فــي الإبــداع والابتــكار، التعليـم ليـس للتلقيـن، أرى أنـي مـع وضـع أسـئلة ومنـح الطالـب فرصــة للإبحــار والاستكشــاف، لأن فــي الممارســة المهنيــة ســتتكابل عليــه القيــود التنظيميــة والوظيفيــة، فيقــل منســوب الإبداع لديه.